مجلة تفاكر للعلوم الإنسانية والاجتماعية العدد : 3
افتتاحية العدد الثالث من مجلة تفاكر للعلوم الإنسانية والاجتماعية 2026
يسر هيئة تحرير مجلة تفاكر للعلوم الإنسانية والاجتماعية أن تضع بين أيدي القراء والباحثين هذا العدد الذي يضم باقة من الدراسات والأبحاث التي تنفتح على قضايا راهنة في علوم التربية والتكوين، وتستقصي التحولات التي تعرفها الممارسة التعليمية في مستوياتها التكوينية والمهنية والديدكتيكية، من خلال مقاربات تتقاطع فيها الأبعاد النظرية والمنهجية والميدانية. وينطلق هذا العدد من اعتبار المدرسة ومؤسسات التكوين فضاءات لإنتاج الممارسة المهنية وبناء الكفايات، وليست مجرد مجالات لتطبيق المعارف والنظريات. فالمعلم والمدرس والفاعل التربوي يواجهون وضعيات مهنية متجددة تستدعي إعادة التفكير في طبيعة التكوين، وفي العلاقة بين المعرفة الأكاديمية والممارسة المهنية، وفي الكيفيات التي يمكن من خلالها تحويل التكوين إلى رافعة لتطوير الممارسات وتحسين جودة التعلمات. وفي هذا السياق، تفتح الدراسات المنشورة في العدد مجموعة من الأسئلة المتقاطعة حول التكوين الأساس والمستمر، وبناء الكفايات المهنية، والتجديد الديدكتيكي، وتحليل الممارسات المهنية، وتوظيف المقاربات النفسية والعصبية والرقمية في فهم الفعل التربوي. وهي قضايا تعكس، في مجملها، الحاجة إلى بناء نماذج تكوينية أكثر تكاملاً، قادرة على وصل الجامعة بالمؤسسات المهنية، وربط المعرفة النظرية بالممارسة، واستيعاب التحولات التي تفرضها المدرسة المعاصرة. وإذا كانت هذه الدراسات تختلف من حيث موضوعاتها ومداخلها ومناهجها، فإنها تلتقي حول سؤال مركزي يتمثل في كيفية بناء مدرس قادر على الفهم والتكيف والتجديد والتأمل في ممارسته المهنية. كما تشترك في مساءلة العلاقة بين التكوين والممارسة، وبين المعرفة والكفاية، وبين المنهاج والوضعية التعليمية، وبين التحولات المجتمعية والتكنولوجية وانتظارات المدرسة. إن القيمة العلمية لهذا العدد لا تكمن فقط في تنوع موضوعاته، وإنما أيضاً في إمكان قراءة هذا التنوع باعتباره تعبيراً عن حاجة علوم التربية إلى مقاربات متعددة المستويات، تجمع بين التحليل النظري والبحث الميداني والتجريب الديدكتيكي والتأمل في الممارسة المهنية. فالتحولات التي تعرفها المدرسة اليوم تجعل من الصعب مقاربة قضايا التربية من منظور أحادي؛ إذ أصبحت الحاجة قائمة إلى حوار مستمر بين علوم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع والديدكتيك والدراسات الرقمية وغيرها من الحقول المعرفية ذات الصلة. ومن هذا المنطلق، تسعى مجلة تفاكر للعلوم الإنسانية والاجتماعية إلى الإسهام في بناء فضاء علمي للحوار والتفكير النقدي وتبادل الخبرات، يجعل من البحث العلمي أداة لفهم التحولات التي يعرفها الإنسان والمجتمع ومؤسسات التربية، ويشجع على وصل المعرفة الأكاديمية بأسئلة الممارسة وقضايا الواقع. وفي الختام، تتقدم هيئة التحرير بخالص الشكر والتقدير إلى الباحثين والباحثات الذين أسهموا في هذا العدد، وإلى المحكمين والخبراء الذين واكبوا الدراسات العلمية وفق مقتضيات التحكيم الأكاديمي، وإلى كل من ساهم في إخراج هذا العدد إلى القراء. ونأمل أن يشكل هذا العمل إضافة إلى النقاش العلمي في مجالات علوم التربية والتكوين، وأن يفتح المجال أمام دراسات لاحقة تواصل مساءلة قضايا المدرسة والتكوين والممارسة المهنية في سياقاتها المتغيرة. مدير النشر ورئيس التحرير : د. لحــــســــن دحمــــانـــي مجلة تفاكر للعلوم الإنسانية والاجتماعية