استكتاب العدد الرابع 04 مجلة تفاكر للعلوم الإنسانية والاجتماعية

  لحسن دحماني   |   منذ 8 ساعة   |   42 مشاهدة

الورقة التأطيرية

المجلد 01 العدد 04 خريف 2026 آخر أجل لإرسال المقالات: 20/11/2026 العلوم الاجتماعية وتحولات العالم الرقمي: رؤى متقاطعة يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة ومتسارعة بفعل الانتشار الواسع للتكنولوجيات الرقمية، التي لم تعد مجرد أدوات تقنية لتيسير التواصل وتبادل المعلومات، بل أصبحت مكوناً أساسياً في إعادة تشكيل أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية والمؤسسات ومجالات إنتاج المعرفة والثقافة والاقتصاد والسياسة. فقد أفضى الانتقال من المجتمع الصناعي إلى مجتمع تتزايد فيه مركزية البيانات والشبكات والمنصات والخوارزميات إلى بروز أشكال جديدة من الفعل الاجتماعي، وإلى إعادة ترتيب مواقع الفاعلين ومصادر السلطة وآليات إنتاج المعنى. وفي خضم هذه التحولات، تجد العلوم الاجتماعية نفسها أمام واقع جديد يعيد صياغة موضوعاتها وأسئلتها ومناهجها. فإذا كانت هذه العلوم قد انشغلت تاريخياً بفهم المجتمع ومؤسساته وتحولاته، فإن العالم الرقمي يفرض عليها اليوم إعادة النظر في عدد من المفاهيم المركزية، مثل التفاعل الاجتماعي، والهوية، والسلطة، والمجال، والثقافة، والعمل، والتنشئة، والرأي العام، واللامساواة، والمشاركة الاجتماعية والسياسية. ولم يعد الفضاء الرقمي مجرد فضاء موازٍ للواقع الاجتماعي، بل أصبح جزءاً من بنية الحياة الاجتماعية ذاتها. فالعلاقات التي تُبنى عبر المنصات الرقمية، والأنماط الجديدة للتواصل والتعبير، والاقتصاد القائم على المنصات، والتعلم عن بعد، والعمل الهجين، وصناعة المحتوى، والتفاعل مع الأنظمة الخوارزمية، كلها أصبحت ممارسات يومية تؤثر في الأفراد والجماعات والمؤسسات. ومن ثم، فإن الفصل بين "المجتمع الواقعي" و"المجتمع الرقمي" يغدو أقل قدرة على تفسير الواقع الاجتماعي المركب الذي تتداخل فيه المادي والرقمي بصورة متزايدة. ويكتسب هذا التحول بعداً أكثر عمقاً مع صعود الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي انتقل من معالجة البيانات وأتمتة بعض المهام إلى المشاركة في إنتاج النصوص والصور والمعلومات والأفكار، والمساهمة في اتخاذ القرار والتنبؤ والتصنيف والتوصية. وهنا لا يطرح الذكاء الاصطناعي سؤالاً تقنياً فحسب، بل يفتح أسئلة اجتماعية ومعرفية وأخلاقية تتعلق بطبيعة المعرفة، وموقع الإنسان، ومستقبل العمل، والسلطة الخوارزمية، والخصوصية، والتمييز، والعدالة الاجتماعية. ومن منظور العلوم الاجتماعية، تبرز الحاجة إلى تجاوز المقاربة التقنية التي تختزل التحول الرقمي في مؤشرات الولوج إلى التكنولوجيا وانتشار الأجهزة والمنصات، نحو مقاربة تركز على "المعاني الاجتماعية للتكنولوجيا"، وعلى الكيفية التي يعيد بها الرقمي إنتاج العلاقات الاجتماعية، وتوزيع الموارد والفرص، وإعادة تشكيل أنماط السلطة والهيمنة والمقاومة. كما أن العالم الرقمي يعيد طرح سؤال اللامساواة الاجتماعية في صورة جديدة. فالفجوة الرقمية لم تعد مرتبطة فقط بامتلاك الأجهزة أو الاتصال بالإنترنت، وإنما أصبحت تشمل القدرة على الوصول إلى المعلومات، والمهارات الرقمية، والقدرة على إنتاج المحتوى، وفهم الخوارزميات، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي، وحماية البيانات الشخصية. ومن ثم، فإن التحول الرقمي قد يفتح إمكانات جديدة للتمكين، لكنه قد يعمق في الوقت نفسه أشكالاً قائمة من الإقصاء والتفاوت. ويطرح هذا الوضع كذلك أسئلة جديدة حول "المجال الاجتماعي والمجال الرقمي". فقد ساهمت الشبكات والمنصات في تجاوز بعض الحدود الجغرافية التقليدية، وأتاحت أنماطاً جديدة من الحضور والتفاعل والانتماء، لكنها لم تلغِ أثر المجال الجغرافي والاجتماعي. بل إن الرقمنة قد تعيد إنتاج التفاوتات المجالية نفسها في أشكال جديدة، كما يتجلى ذلك في التفاوت في البنية التحتية الرقمية، وفي جودة الخدمات، وفي فرص التعلم والعمل والوصول إلى المعرفة. وفي المجال التربوي، أفرز التحول الرقمي أسئلة تتجاوز إدخال التكنولوجيا إلى المؤسسات التعليمية، لتطال طبيعة المدرسة ووظيفة المدرس وأدوار المتعلم ومفهوم المعرفة ذاته. كما أن انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي يفرض إعادة التفكير في طرائق التعليم والتقويم والبحث، وفي العلاقة بين الإنسان والآلة في إنتاج المعرفة، وفي ضرورة بناء كفايات نقدية وأخلاقية تمكن المتعلم من التعامل مع البيئة الرقمية بوعي ومسؤولية. أما في المجال الثقافي، فقد ساهمت المنصات الرقمية في تغيير أنماط إنتاج الثقافة واستهلاكها وتداولها، وظهور فاعلين جدد خارج المؤسسات الثقافية التقليدية. وأصبح المستخدم منتجاً للمحتوى بقدر ما هو مستهلك له، بينما أصبحت الخوارزميات تشارك في تحديد ما يظهر وما يختفي، وما ينتشر وما يبقى هامشياً. وهو ما يفتح النقاش حول السلطة الثقافية الجديدة، واقتصاد الانتباه، وصناعة الرأي، وتحولات الذوق والهوية. وفي المجال السياسي، أحدثت البيئة الرقمية تحولاً في أنماط المشاركة والتعبئة والتواصل السياسي، وظهرت أشكال جديدة من الفعل الجماعي والحركات الاجتماعية الرقمية، بالتوازي مع صعود تحديات الأخبار الزائفة، والتلاعب بالمعلومات، والاستقطاب، والمراقبة الرقمية، واستخدام البيانات في التأثير في السلوك السياسي. ومن جهة أخرى، يفرض الاقتصاد الرقمي تحولات عميقة في عالم العمل، مع توسع المنصات الرقمية والأتمتة والذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد. وتطرح هذه التحولات أسئلة حول مستقبل المهن، وإعادة توزيع المهارات، والعلاقة بين الإنسان والآلة، وأشكال العمل الجديدة، والأمن المهني والاجتماعي، وكذلك حول إمكانية إعادة إنتاج التفاوت الطبقي في ظل اقتصاد تقوده البيانات والمنصات والخوارزميات. وانطلاقاً من هذه التحولات، تصبح مهمة العلوم الاجتماعية مزدوجة: فمن جهة، يتعين عليها تطوير أدواتها ومناهجها للاستفادة من الإمكانات التي توفرها البيئة الرقمية، بما في ذلك البيانات الضخمة، وتحليل الشبكات الاجتماعية، والبحث الرقمي، والذكاء الاصطناعي؛ ومن جهة أخرى، عليها أن تحافظ على وظيفتها النقدية، من خلال مساءلة التكنولوجيا وكشف آثارها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. وعليه، فإن الرهان لا يتمثل في تحويل العلوم الاجتماعية إلى علوم تقنية، ولا في التعامل مع الرقمنة باعتبارها قدراً محتوماً، وإنما في بناء "رؤية اجتماعية نقدية للتحول الرقمي" تجعل التكنولوجيا موضوعاً للفهم والتحليل والمساءلة، وفي الوقت نفسه مورداً لتجديد البحث العلمي وإنتاج المعرفة. وانطلاقاً من ذلك، تقترح هذه الورقة فتح نقاش علمي متعدد التخصصات حول المحاور الآتية: 1. العلوم الاجتماعية والتحول الرقمي - تحولات المفاهيم والنظريات الاجتماعية في العصر الرقمي. - المجتمع الشبكي والمجتمع المنصاتي. - التحول في أشكال التفاعل والعلاقات الاجتماعية. - إعادة التفكير في مفاهيم الفرد والجماعة والمجتمع. 2. الذكاء الاصطناعي وإنتاج المعرفة - الذكاء الاصطناعي والبحث في العلوم الاجتماعية. - الذكاء الاصطناعي التوليدي وإنتاج المعرفة. - العلاقة بين الباحث والآلة. - حدود المعرفة الخوارزمية وإشكالات الموضوعية. 3. الخوارزميات والسلطة والمراقبة - السلطة الخوارزمية. - البيانات بوصفها مورداً للسلطة. - المراقبة الرقمية. - التمييز والتحيز الخوارزمي. - الخصوصية وحماية المعطيات الشخصية. 4. الرقمنة والتحولات التربوية - المدرسة في العصر الرقمي. - أدوار المدرس والمتعلم. - الذكاء الاصطناعي والتحولات الديدكتيكية. - التقويم والتعلم في البيئة الرقمية. - أخلاقيات الاستخدام التربوي للذكاء الاصطناعي. 5. الرقمنة والثقافة والهوية - الثقافة الرقمية وتحولات إنتاج المعنى. - اللغة العربية في البيئة الرقمية. - الهوية والانتماء في الفضاء الشبكي. - صناعة المحتوى واقتصاد الانتباه. - المنصات والخوارزميات وإعادة تشكيل الذوق الثقافي. 6. الرقمنة والعمل والاقتصاد - مستقبل العمل في عصر الأتمتة والذكاء الاصطناعي. - اقتصاد المنصات والعمل الرقمي. - المهن الجديدة والتحولات المهنية. - المهارات الرقمية وإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي. 7. المجال والتحول الرقمي - الرقمنة وإعادة تشكيل المجال. - المدن الذكية والمجالات الترابية. - الفجوة الرقمية والمجالية. - التحول الرقمي في المجال القروي وشبه الحضري. - التكنولوجيا وإعادة تنظيم العلاقات بين المجال والمجتمع. 8. الرقمنة والسياسة والمجتمع - المشاركة السياسية الرقمية. - الحركات الاجتماعية والشبكات. - الرأي العام في البيئة الرقمية. - الأخبار الزائفة والتضليل المعلوماتي. - المنصات الرقمية وإعادة تشكيل المجال العمومي. 9. العدالة الاجتماعية والتحول الرقمي - الفجوة الرقمية. - الإدماج والإقصاء الرقمي. - الفئات الهشة والتحول الرقمي. - الحق في الولوج إلى المعرفة والتكنولوجيا. - العدالة الخوارزمية. 10. نحو علوم اجتماعية رقمية - تجديد مناهج البحث الاجتماعي. - البحث الإثنوغرافي الرقمي. - تحليل البيانات الضخمة والشبكات الاجتماعية. - استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي. - التحديات الأخلاقية والمنهجية للبحث الاجتماعي الرقمي.